ابن تيميه
191
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وهي ثلاث روايات عن أحمد ، لكن ظاهر مذهبه كالأول وهو قول أبي حنيفة ، ومذهب الشافعي لا شيء عليه . وكذلك سائر المعاصي قيل فيها كفارة يمين وهو ظاهر مذهب أحمد . وقيل : لا شيء فيها ، وهو المنقول عن الشافعي ومالك ، وقيل : إن قصد بها اليمين لزمته كفارة يمين ، وهو مذهب أبي حنيفة والخراسانيين من أصحاب الشافعي . فالجمهور لما اعتقدوا أن قوله : « لا تشد الرحال » مراده النهي ، قالوا : هو سفر معصية ، فلا يجوز الوفاء به وإن اعتقده الناذر قربة كما قاله مالك والأكثرون ، ولهذا قالوا : لا يجوز السفر لمن قصد القبر سواء كان قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم أو غيره وإن نذره ، ومن قال السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمنهي عنه ولا هو طاعة ولا قربة ، قال : لا يجب الوفاء به لكنه جائز . ومن هنا يعرف مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ، فإن قالوا : إن من نذر السفر إلى غير الثلاثة يجوز له السفر ، وإن لم يجب عليه كان قولهم بجواز السفر ، وأن الحديث لنفي الفضيلة ، كما قاله من قاله من المتأخرين . وإن قالوا : إن هذا النذر لا يوفى به بحال لنهي النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن يسافر إلى غير الثلاثة ، كما قاله مالك وغيره ؛ دل على تحريم السفر إلى غير الثلاثة ، وهو لو نذر السفر للصلاة في مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أو المسجد الأقصى جاز له السفر باتفاقهم ، وإنما تنازعوا في الوجوب ؛ فمذهب مالك وأحمد أنه يجب ، ومذهب أبي حنيفة لا يجب ، وللشافعي قولان . وقوله : « كيف تكون الرحلة إلى القربة معصية محرمة » ؟ يقال له : هذا كثير في الشريعة ؛ كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة ، فإن هذا معصية عند مالك والأكثرين ، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بدون إذن الزوج ؛ كحج التطوع فإنها رحلة إلى قربة وهي معصية محرمة بالاتفاق . وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بدون إذن سيّده كان رحيله إلى قربة وكان معصية محرمة بالإجماع . وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة ، ومثل هذا كثير . ولو كان الطريق يحصل فيه ضرر في دينه لم يكن له أن يسافر لا للحج ولا لإتيان المسجد وإن كان ذلك قربة ، والمرأة بلا سفر لها أن تشهد العيد والجمعة بل والجماعة بلا سفر ، وليس لها أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم . ومن طولب بقضاء دين لزمه قضاؤه ولم يكن له أن يسافر بالمال الذي يجب صرفه في قضاء دينه ، وإن كان قصده أن يتوسل بذلك السفر إلى الحج وغيره . ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر ، ومع السفر لا يجوز . وصاحب الشرع قد قال : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي